بن عيفان.. من منزل ومقهى على قارعة الطريق إلى مدينة عامرة

تعود حكاية المنطقة إلى عام 1984م، حين اختار مبخوت بن عيفان النهدي، من قبيلة نهد، بقعة كانت آنذاك شبه خالية من العمران، تجاور منطقة المخينيق القديمة، ليبني فيها منزلًا متواضعًا، وإلى جانبه مقهى صغير يخدم عابري الطريق والمسافرين.
ومن ذلك البناء البسيط بدأت قصة مكان حمل لاحقًا اسم صاحبه، حتى أصبح «بن عيفان» اسمًا متداولًا ومعروفًا، لا باعتباره اسم شخص فحسب، وإنما باعتباره اسم منطقة وتجمع عمراني يرتبط اليوم في أذهان الناس بالطريق والسفر والحركة التجارية والسكانية.
في تلك السنوات لم تكن المنطقة بالصورة التي نراها عليها اليوم؛ فلا مبانٍ ممتدة، ولا محال تجارية وخدمات متنوعة، ولا حركة سكانية كبيرة. كانت أرضًا مفتوحة تمر بالقرب منها طرق يستخدمها المسافرون والمتنقلون بين مناطق حضرموت ومناطق أخرى.
وكان الناس يشيرون إلى الموقع باسم «قهوة بن عيفان»، نسبة إلى المقهى الذي أنشأه مبخوت بن عيفان، والذي تجاوز دوره مفهوم المقهى التجاري المعتاد ليؤدي وظيفة اجتماعية وإنسانية مهمة في ذلك الزمن.
فقد كان الطريق شاقًا، والمسافات طويلة، والخدمات محدودة، ووسائل النقل والإمكانات المتاحة للمسافرين تختلف كثيرًا عما هي عليه اليوم. وكان عدد من المسافرين، خصوصًا المتجهين برًا نحو العبر ومأرب والمملكة العربية السعودية، بحاجة إلى مكان يتوقفون فيه للراحة والمبيت والحصول على الطعام والماء.
وهنا برز الدور الإنساني لـ«قهوة بن عيفان»، إذ كان صاحبها يستقبل من تقطعت بهم السبل أو احتاجوا إلى الراحة في أثناء سفرهم، ويتيح لهم المبيت في المكان مجانًا، إلى جانب تقديم الطعام والمياه بأسعار رمزية وزهيدة، في صورة تعكس قيم الكرم وإغاثة المسافر التي عُرف بها المجتمع الحضرمي والقبائل في تلك المناطق.
وساعد الموقع الجغرافي على زيادة أهمية المكان؛ إذ يقع بالقرب من مفرق لعدد من الطرق المهمة، منها الطريق المؤدي باتجاه ساحل حضرموت، والطريق الممتد نحو العبر وما وراءها، الأمر الذي جعله محطة طبيعية لعابري السبيل والمسافرين.
كما ارتبط المكان في مرحلة من تاريخه بحركة المجندين والعسكريين القادمين من مناطق مختلفة في طريقهم إلى معسكراتهم، ومن أبرزها معسكر الخشعة، حيث كان يوجد اللواء المدرع المعروف آنذاك باسم «لواء تيسير»، والذي أصبح لاحقًا اللواء 37 مدرع.
وكانت المنطقة كذلك قريبة من مسارات القادمين إلى مدرسة الطليعة، التي أدت في فترة من الفترات دورًا في تجميع وتدريب قوة الاحتياط، في زمن كان فيه المواطنون والموظفون يخضعون للتدريب وفق القوانين والأنظمة المعمول بها آنذاك.
وبمرور السنوات، لم يتوقف مبخوت بن عيفان عند بناء المنزل والمقهى، بل سعى إلى توفير الخدمات الأساسية للموقع، فدخل الماء والكهرباء تدريجيًا، ومع توفر مقومات الاستقرار بدأت المنطقة تجذب المزيد من السكان والأنشطة.
وهكذا، رويدًا رويدًا، بدأت الملامح الأولى للتجمع العمراني تتشكل حول المكان.
بيت واحد ومقهى متواضع في عام 1984م، ثم مبانٍ أخرى، وسكان جدد، ومحال وخدمات، حتى أخذت المنطقة في التوسع عامًا بعد آخر، وتحول الموقع الذي كان يومًا أرضًا شبه خالية إلى تجمع بشري وعمراني نابض بالحياة.
ومع نمو الحركة على الطرق واتساع العمران وتزايد حركة النقل والسفر، ازدادت أهمية «بن عيفان»، مستفيدة من موقعها الذي جعلها نقطة عبور والتقاء بين عدد من الاتجاهات.
واليوم أصبحت المنطقة تضم العديد من مقومات الحياة الحديثة، وتشهد حركة سكانية وتجارية وخدمية متنامية، فضلًا عن موقعها على شبكة من الطرق التي تربط حضرموت بعدد من المحافظات اليمنية، وتمتد من خلالها حركة المسافرين والنقل البري باتجاه دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.
وتحمل قصة «بن عيفان» دلالة جميلة على الكيفية التي يمكن بها لمبادرة فردية بسيطة أن تكون بداية لتحول عمراني واجتماعي كبير.
فحين بنى مبخوت بن عيفان منزله ومقهاه في ذلك المكان قبل أكثر من أربعة عقود، ربما لم يكن يتصور أن اسمه سيبقى مرتبطًا بالموقع، وأن «قهوة بن عيفان» التي عرفها المسافرون محطة للراحة والمبيت ستمنح اسمها لاحقًا لمنطقة كاملة تنمو وتتوسع وتتحول إلى مدينة عامرة بالحركة والسكان والخدمات.
لقد بدأت الحكاية بخدمة المسافر وعابر السبيل، وبمنزل بسيط ومقهى أقيم في أرض قليلة العمران، ثم كتبت السنوات فصلًا جديدًا من القصة، حتى أصبح «بن عيفان» اسمًا جغرافيًا معروفًا وعلامة على الطريق، وذاكرة تحمل في داخلها حكاية إنسان ومكان ونشأة مدينة.
ومن هنا، فإن الحديث عن «بن عيفان» ليس مجرد حديث عن منطقة عمرانية، بل هو استعادة لجزء من الذاكرة المحلية؛ ذاكرة البدايات الأولى، والطرق القديمة، والمسافرين، والمقاهي التي كانت تؤدي دور محطات الاستراحة قبل انتشار الخدمات الحديثة، والأشخاص الذين أسهموا بمبادراتهم الفردية في تشكيل ملامح المكان.
إنها حكاية بدأت في عام 1984م ببيت ومقهى على قارعة الطريق، ثم نمت حولهما الحياة، حتى أصبح الاسم الذي كان يشير يومًا إلى «قهوة بن عيفان» عنوانًا لمنطقة يعرفها الناس اليوم باسم:
«بن عيفان».
المصدر: بتصرف عن المكلا24.







التعليقات
0 تعليق