حضرموت مفتاح الحل

تجد المملكة العربية السعودية نفسها أمام معادلة يمنية معقدة، استنزفت الكثير من جهودها السياسية والعسكرية والاقتصادية، دون أن تتمكن الشرعية اليمنية حتى الآن من بناء مشروع وطني قادر على حماية الجمهورية واستعادة الدولة.
فإذا لم تقم الشرعية اليمنية بواجبها في الدفاع عن الجمهورية، وإذا استمر بعض الفاعلين الجنوبيين في التعامل مع السعودية بسياسات عدائية وتحريضية تتعارض مع أهدافها، فإن المملكة قد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في استراتيجيتها تجاه الملف اليمني برمته شمالا وجنوبا..
فالسعودية لا تستطيع أن تتحمل إلى ما لا نهاية مسؤولية حماية سلطة لا تستطيع حماية نفسها، ولا يمكنها أن تستمر في دفع تكاليف صراع لا تتوافر لدى أطرافه المحلية الإرادة الكافية لحسمه.
ومن المهم هنا طرح سؤال استراتيجي: ماذا لو قررت السعودية رفع يدها عن حماية الشرعية اليمنية؟
إن أحد السيناريوهات التي يطرحها هذا الاحتمال هو تعرض المناطق الخاضعة للشرعية لانهيار عسكري سريع خلال ساعات، بما قد يفتح الطريق أمام الحوثيين للتوسع باتجاه عدن والسواحل الجنوبية ومناطق استراتيجية أخرى خلال ساعات، ويضع الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب أمام تحديات أكبر.
وهنا تصبح السعودية أمام ضرورة البحث عن بدائل استراتيجية تحمي مصالحها، وتقلل من ارتباط أمنها القومي بمسار الصراع اليمني.
أولاً: حضرموت كخيار استراتيجي بديل
من بين الخيارات التي يمكن طرحها للنقاش، دعم مشروع حضرموت السياسي الذي يعبّر عن تطلعات أبنائها في الاستقلال.
فحضرموت تمتلك أهمية جغرافية واقتصادية واستراتيجية كبيرة، وتمتد على مساحة واسعة من الأراضي، وتطل على بحر العرب، بما يمنحها موقعاً مهماً في معادلات التجارة والملاحة الدولية.
ويمكن أن يشكل قيام كيان حضرمي مستقل، يتمتع بعلاقات استراتيجية واقتصادية وثيقة مع المملكة العربية السعودية او الانظمام كليا اليها، أحد البدائل المطروحة لإعادة ترتيب المصالح السعودية في المنطقة.
ثانياً: البحث عن منفذ بحري استراتيجي على بحر العرب
تمثل الموانئ الحضرمية، وفي مقدمتها ميناء المكلا وميناء الشحر، أهمية اقتصادية وجيوسياسية للمملكة، نظراً لموقعها على بحر العرب واتصالها بخطوط الملاحة المتجهة إلى شرق آسيا وإفريقيا.
ومن شأن تطوير هذه الموانئ وشبكات النقل المرتبطة بها أن يفتح أمام السعودية خيارات إضافية للوصول إلى الأسواق الدولية، بعيداً عن الاعتماد على الممرات البحرية التي قد تتعرض للتهديد أو الاضطراب.
وهنا تبرز أهمية حضرموت باعتبارها عمقاً اقتصادياً وجغرافياً يمكن أن تتقاطع فيه المصالح السعودية مع تطلعات أبنائها.
ثالثاً: إعادة توزيع أعباء حماية الملاحة الدولية
إن أمن باب المندب والبحر الأحمر ليس مسؤولية السعودية وحدها، بل هو مصلحة دولية تتعلق بالتجارة العالمية وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد.
فإذا كانت القوى الدولية والإقليمية ترى في باب المندب ممراً حيوياً لمصالحها الاقتصادية والتجارية، فعليها أن تتحمل مسؤولية حمايته.
ولا ينبغي أن تبقى السعودية وحدها في موقع تحمل أعباء مواجهة التهديدات الحوثية، بينما تستفيد بقية القوى الدولية من أمن الممرات البحرية.
وبالتالي، فإن إعادة تقييم الدور السعودي في اليمن قد تدفع القوى الدولية إلى تحمل مسؤوليات أكبر تجاه حماية الملاحة الدولية.
رابعاً: تقليص الاستنزاف السعودي وإعادة توجيه الموارد
إن استمرار استنزاف الموارد المالية والعسكرية والسياسية في الملف اليمني يفرض على المملكة التفكير في بدائل تحقق مصالحها بأقل التكاليف والمخاطر.
ومن هذا المنطلق، فإن بناء شراكة استراتيجية مع حضرموت، تقوم على المصالح الاقتصادية والأمنية والتنموية او الانظمام كليا، قد يفتح آفاقاً جديدة للمملكة، خصوصاً إذا تم توجيه خطوط نقل النفط الى ساحل بحر العرب، الى جانب تطوير الموانئ والبنية التحتية وطرق التجارة البرية والبحرية.
كما أن العلاقة الاجتماعية والثقافية والتاريخية بين المجتمع الحضرمي والمجتمع السعودي تمثل عاملاً يمكن أن يعزز من فرص الاندماج ،
خامساً: ماذا لو تولى المجتمع الدولي مسؤولية مواجهة الحوثيين؟
إذا قررت السعودية إعادة ترتيب أولوياتها وتقليص انخراطها العسكري المباشر في اليمن، فإن المجتمع الدولي سيكون أمام اختبار حقيقي بشأن موقفه من التهديدات التي تطال الملاحة الدولية.
فإذا نجحت الجهود الدولية في احتواء الحوثيين أو إضعاف قدراتهم العسكرية، ستكون السعودية قد استفادت من استقرار الممرات البحرية دون تحمل العبء الأكبر وحدها.
أما إذا فشلت تلك الجهود، فإن امتلاك المملكة خيارات بحرية وتجارية إضافية عبر ساحل بحر العرب سيمنحها قدراً أكبر من المرونة الاستراتيجية.
الخلاصة: هل حان وقت إعادة صياغة الاستراتيجية السعودية في اليمن؟
إن الرسالة الأساسية التي ينبغي أن تصل إلى مختلف الأطراف اليمنية هي أن الدعم السعودي ليس التزاماً مفتوحاً بلا حدود، وأن حماية الجمهورية والدفاع عن الدولة مسؤولية يمنية جنوبا وشمالا على حد سواء، قبل أن تكون مسؤولية المملكة.
كما أن على القوى الجنوبية أن تدرك أن أمن السعودية ومصالحها الاستراتيجية ليسا مجالاً للمساومة السياسية أو الصراعات البينية.
وفي المقابل، فإن من حق السعودية أن تعيد تقييم خياراتها، وأن تبحث عن ترتيبات سياسية واقتصادية وأمنية تحمي مصالحها وتقلل من استنزافها.
وقد تكون حضرموت، بما تمتلكه من موقع جغرافي وثروات وموارد وموانئ وإمكانات اقتصادية هي ضريبة غدر وتقاعس اليمن جنوبه وشمالة ومكوناته عن حماية الجمهورية.
فالمعادلة التي ينبغي أن تعيد السعودية النظر فيها هي: ليس من الضروري أن تتحمل وحدها مسؤولية إنقاذ اليمن، وليس من المنطقي أن تربط أمنها ومستقبل مصالحها البحرية بمصير سلطة لا تستطيع الدفاع عن نفسها.
المحامي صالح باحتيلي النعماني محام مترافع أمام المحكمة العليا







التعليقات
0 تعليق