رمزية الدولة ليست تفصيلا..* *وإنقاذ الجمهورية يبدأ من مؤسساتها*

*رمزية الدولة ليست تفصيلا..* *وإنقاذ الجمهورية يبدأ من مؤسساتها*
*بقلم الاستاذ* /
*عبدالله عمر حيمد سعد*
إلى فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي وأعضاء المجلس المحترمين
وإلى رئيس وأعضاء الحكومة اليمنية
وإلى المحافظين والسلطات المحلية
وإلى رؤساء المؤسسات والهيئات والمصالح الحكومية
وإلى وكلاء الوزارات ومديري عموم المكاتب التنفيذية والمديريات
وإلى كل من يتولى مسؤولية إدارة مرفق من مرافق الدولة ومؤسساتها
*نداء عاجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من رمزية الدولة وثوابتها الوطنية*
نحن أمام لحظة لا تحتمل المزيد من الصمت أو التأجيل أو المواقف الرمادية.
فبعد عقود من قيام الجمهورية، وبعد التضحيات الكبيرة التي قدمها اليمنيون دفاعا عن الدولة والوحدة والنظام الجمهوري، أصبحنا نشاهد في بعض المناطق والمحافظات والمرافق العامة تراجعا مقلقا في حضور رمزية الدولة، حتى بات السؤال مشروعا:
*هل ما زالت الجمهورية حاضرة في مؤسساتها كما ينبغي، أم أنها أصبحت حاضرة في الخطاب وغائبة في الواقع؟*
إن الحديث عن الاحتفال بثورة السادس والعشرين من سبتمبر، وهي الثورة التي شكلت نقطة التحول التاريخية نحو الجمهورية والحرية والمواطنة، لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد مهرجانات وخطب ورفع شعارات ليوم واحد.
فالجمهورية ليست مناسبة سنوية.
*الجمهورية دولة ومؤسسات ورموز وقانون وهوية وممارسة يومية.*
ومن هنا فإن الدعوة إلى الاحتفال بذكرى سبتمبر يجب أن تكون مناسبة لمراجعة واقع الدولة، لا مجرد مناسبة للاحتفال بها.
لقد وصل الأمر في بعض المناطق إلى تراجع واضح في حضور *العلم الجمهوري والنشيد الوطني ورموز الدولة* في بعض المرافق والفعاليات واللافتات والمناسبات الرسمية، بينما تحضر في المقابل رموز وشعارات متعددة لا تعبر بالضرورة عن الهوية الرسمية للدولة.
وهنا لا نتحدث عن تفصيل شكلي.
فالعلم ليس قطعة قماش.
والنشيد ليس مجرد لحن.
والشعار الرسمي ليس مجرد صورة على جدار.
*هذه رموز دولة، ومن يتولى إدارة الدولة مسؤول عن احترامها وحمايتها وإظهارها.*
وإذا كانت مؤسسات الدولة نفسها لا تحمي رموزها، فكيف نطالب المواطن بأن يشعر بحضور الدولة وهيبتها؟
وكيف نطلب من الجندي والشاب والمواطن أن يدافع عن الجمهورية، بينما يرى رموز الجمهورية تتراجع أو تغيب من بعض المؤسسات والمرافق التي يفترض أنها تمثلها؟
إن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما تسقط مؤسسات الدولة فقط، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير، عندما تتآكل *رمزيتها وهيبتها وهويتها* في الوعي العام وفي الحياة اليومية.
وهنا نوجه حديثنا بكل صراحة إلى كل المسؤولين:.
*لقد انتهى زمن الجلوس في المنتصف.*
لا يمكن لمسؤول أن يكون مسؤولا باسم الدولة، ثم يتعامل مع رموزها وثوابتها وكأنها قضية قابلة للتفاوض حسب المكان والظرف والجهة.
ولا يمكن لمسؤول أن يرفع شعار الشرعية عندما يناسبه، ثم يصمت عندما تتراجع رمزية الدولة أمامه.
ولا يجوز أن تتحول المسؤولية العامة إلى مساحة للمتسلقين والانتهازيين وأصحاب المواقف المتغيرة، الذين يبحثون عن موقعهم في كل مرحلة، ويتركون الثوابت الوطنية خلف ظهورهم.
*الدولة لا تبنى بالمواقف الرمادية.*
والجمهورية لا تحمى بالصمت.
والثوابت الوطنية لا تحتاج إلى مسؤول يجلس في المنتصف منتظرا إلى أين تميل الكفة.
إن المسؤول الذي يتولى موقعا عاما في مؤسسات الدولة مطالب بأن يكون واضحا في احترامه للدستور والقانون ورموز الجمهورية والثوابت الوطنية، وأن يمارس مسؤوليته دون ازدواجية أو انتقائية.
نحن لا ندعو إلى مصادرة رأي أحد، ولا إلى إقصاء أحد، ولا إلى فرض لون سياسي على المجتمع.
لكننا نتحدث عن أمر مختلف تماما:
*نتحدث عن هوية الدولة ورموزها الرسمية.*
فالمؤسسات الحكومية ليست ملكا لحزب، ولا لجماعة، ولا لمنطقة، ولا لقبيلة، ولا لأي مكون سياسي أو اجتماعي.
إنها مؤسسات الجمهورية اليمنية.
وعلم الجمهورية يجب أن يكون حاضرا فيها.
ونشيد الجمهورية يجب أن يحترم ويؤدى في مناسباتها الرسمية.
والرموز الرسمية للدولة يجب أن تكون واضحة في مرافقها ومؤسساتها وفعالياتها.
والسلطات المحلية ليست سلطات بديلة عن الدولة، وإنما جزء من بنيتها الإدارية والتنفيذية.
*إنقاذ ما يمكن إنقاذه*
إننا بحاجة اليوم إلى قرار وطني واضح وعاجل يعيد الاعتبار لرمزية الدولة في كل المحافظات والمناطق التي تقع تحت سلطة الحكومة والسلطات المحلية.
ونحن بحاجة إلى إجراءات عملية، لا إلى بيانات إضافية.
نحتاج إلى:
*أولا:* التأكيد على حضور العلم الجمهوري في جميع المؤسسات والمرافق الحكومية والمناسبات الرسمية.
*ثانيا*: التأكيد على أداء النشيد الوطني في المناسبات الرسمية التي تستوجب ذلك، باعتباره رمزا من رموز الدولة.
*ثالثا*: مراجعة اللافتات والشعارات والرموز الموجودة على واجهات المؤسسات والمكاتب الحكومية، والتأكد من انسجامها مع الهوية الرسمية للدولة.
*رابعا*: توجيه المحافظين ومديري عموم المديريات والمكاتب التنفيذية والهيئات والمصالح الحكومية بتحمل مسؤولياتهم في حماية رمزية الدولة ومؤسساتها.
*خامسا*: منع تحويل المؤسسات الحكومية إلى ساحات لفرض الرموز الحزبية أو المناطقية أو الفئوية على حساب الرموز الرسمية للدولة.
*سادسا*: أن تكون المناسبات الوطنية، وفي مقدمتها ذكرى 26 سبتمبر، مناسبة لاستعادة حضور الدولة لا مجرد إقامة احتفال عابر.
*سابعا*: وضع آلية واضحة لمتابعة تنفيذ هذه التوجيهات ومحاسبة أي مسؤول يتعمد تعطيلها أو إفراغها من مضمونها.
إننا لا نملك ترف الانتظار.
فما يمكن إصلاحه اليوم قد يصبح غدا أكثر صعوبة.
وما يمكن استعادته بقرار سياسي وإداري واضح اليوم قد يحتاج غدا إلى سنوات من العمل والتضحيات.
*يا من تحملون مسؤولية الدولة.. انتبهوا*
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة ليس فقط أن تفقد السيطرة على جزء من جغرافيتها، وإنما أن تفقد بالتدريج *صورتها ورمزيتها وهيبتها* *في وعي الناس.*
وعندما تصبح الرموز متعددة، والمواقف مترددة، والولاءات متغيرة، والمؤسسات الرسمية عاجزة عن إظهار هويتها، فإن الدولة تبدأ في الانكماش حتى وإن بقيت أجهزتها ومكاتبها وأختامها.
ولهذا فإن معركة استعادة الدولة ليست عسكرية وسياسية فقط.
إنها أيضا *معركة هوية ورمزية ومؤسسات وقانون.*
ومن المؤلم أن نرى البعض يتعامل مع هذه المسألة وكأنها هامشية، بينما هي في جوهرها مرتبطة بالسؤال الأكبر:
*أي دولة نريد أن نستعيد؟*
إننا نريد دولة يمنية جمهورية، دولة قانون ومؤسسات، دولة يتساوى فيها المواطنون، وتحمل مؤسساتها هويتها الوطنية بوضوح، ولا تترك فراغا رمزيا تستغله المشاريع المتعددة والمتصارعة.
وفي هذه اللحظة تحديدا، لا نحتاج إلى المزيد من المتسلقين على الأزمات، ولا إلى أصحاب المواقف التي تتغير بتغير الظروف، ولا إلى من يحاول أن يمسك العصا من الوسط على حساب ثوابت الدولة.
*نحتاج إلى رجال دولة واضحين.*
*مسؤولين يعرفون أن الموقع العام تكليف وليس غنيمة.*
*وأن الدولة ليست مساحة للمساومة.*
*وأن الجمهورية ليست شعارا موسميا.*
*وأن العلم الجمهوري ليس تفصيلا يمكن إخفاؤه أو إظهاره حسب الحسابات.*
وأن من قبل مسؤولية إدارة مؤسسة حكومية، قبل بأي موقع آخر، مسؤولية احترام الدولة التي يمثلها.
*من سبتمبر يجب أن يبدأ التصحيح*
إذا أردنا أن تكون ذكرى 26 سبتمبر محطة وطنية حقيقية، فلنجعلها بداية لمراجعة جادة.
فلنرفع علم الجمهورية في مؤسساتها.
ولنحضر نشيدها في مناسباتها.
ولنستعد رموزها في مرافقها.
ولنؤكد أن المؤسسات الحكومية مؤسسات وطنية وليست ملكا لأحد.
ولنقل بوضوح:
*لا مكان في مؤسسات الدولة للمواقف الرمادية عندما يتعلق الأمر بثوابتها ورموزها الرسمية.*
ولا مكان لمن يتسلق على المسؤولية العامة ليحمي موقعه على حساب الدولة.
ولا مكان لمن يعتقد أن الصمت عن تراجع رمزية الجمهورية نوع من الحكمة السياسية.
*الصمت هنا ليس حيادا.*
لأن الدولة إذا لم تدافع عن رموزها، فمن سيدافع عنها؟
وإذا لم يحم المسؤول هوية المؤسسة التي يديرها، فمن سيحميها؟
وإذا تركنا رمزية الجمهورية تتآكل اليوم، فبماذا سنواجه الأجيال غدا عندما تسألنا:
*ماذا فعلتم عندما بدأت الدولة تفقد حضورها ورمزيتها؟*
إنقاذ ما يمكن إنقاذه ليس شعارا.
إنه مسؤولية سياسية ووطنية وإدارية تبدأ من أعلى هرم الدولة، وتمتد إلى أصغر مرفق حكومي في آخر مديرية.
*فلتكن ذكرى سبتمبر هذا العام بداية لاستعادة الدولة في رموزها ومؤسساتها وممارساتها، لا مجرد احتفال ينتهي بانتهاء يوم المناسبة.*
لقد آن الأوان أن ننتقل:
*من الحديث عن الجمهورية إلى ممارسة الجمهورية.*
ومن رفع شعارات الدولة إلى حماية مؤسساتها.
ومن الاحتفال بتاريخها إلى الدفاع عن حاضرها.
ومن المواقف الرمادية إلى المواقف الوطنية الواضحة.
*إن الجمهورية لا تحتاج إلى متسلقين.*
*ولا تحتاج إلى مترددين.*
*ولا تحتاج إلى من يجلسون في المنتصف.*
إنها تحتاج إلى دولة تعرف ماذا تريد، ومسؤولين يعرفون ما الذي أقسموا على حمايته، ومؤسسات تستعيد هيبتها، وشعب يرى الجمهورية حاضرة أمامه في كل شارع ومرفق ومؤسسة ومناسبة.
*فأنقذوا ما يمكن إنقاذه قبل أن يصبح إنقاذه أكثر كلفة وصعوبة.*
*عاشت الجمهورية اليمنية.*
*وعاشت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر.*
*وعاش اليمن وطنا واحدا لكل أبنائه.*
بقلم الاستاذ /
عبدالله عمر حيمد سعد







التعليقات
0 تعليق