حضرموت تعرضت الى مظلومية قاسية

تحتل الثروة والموارد الطبيعية موقعاً مركزياً في القضية الحضرمية، ليس لأنها تمثل مجرد مورد اقتصادي يمكن أن يزيد دخل الدولة أو يرفع مستوى الخدمات، وإنما لأنها ترتبط بصورة مباشرة بالسؤال الأكبر حول طبيعة العلاقة بين حضرموت والسلطة التي حكمتها خلال العقود الماضية.
فحضرموت ليست إقليماً فقيراً في الموارد، ولا منطقة هامشية من حيث الموقع أو الإمكانات الاقتصادية. فهي تمتلك ثروات نفطية وغازية، وسواحل طويلة على بحر العرب، وموانئ ومنافذ بحرية، وثروة سمكية، وأراضي زراعية وأودية واسعة، إضافة إلى موقع جغرافي يجعلها على تماس مباشر مع المجال الخليجي وبحر العرب والمحيط الهندي.
ومع ذلك، فإن المفارقة التي يصعب تجاهلها هي أن الإقليم الذي يمتلك هذه الإمكانات الكبيرة لم يتمكن خلال العقود الماضية من تحويلها إلى مشروع تنموي يوازي ما شهدته مناطق أخرى قريبة منه. وهنا تظهر واحدة من أكثر صور المظلومية الحضرمية وضوحاً وهي مدخل قانوني في القانون الدولي للحصول على الحق في تقرير المصير.
ففي الوقت الذي كانت فيه دول الخليج العربي المحيطة بحضرموت تدخل مرحلة تاريخية غير مسبوقة من بناء المدن الحديثة، وتطوير البنية التحتية، وإنشاء الجامعات والمستشفيات والموانئ والمطارات، وتأسيس اقتصادات جديدة تتجاوز الاعتماد على النفط، كانت حضرموت – التي كانت جزء من نسيجها الاجتماعي- تتحرك في الاتجاه المعاكس بفعل الحصار الذي ترتب عن حالة الضم والالحاق التي نفذها جنوب اليمن ثم الدولة اليمنية عليها. كانت الثروة تُستخرج من أرضها، بينما بقيت التنمية فيها محدودة. وكانت العوائد تتحول إلى مصدر لتمويل فساد الدولة المركزية الذي بلغ مستوى لا يتصوره عقل، و لم يدفع منه شي لبناء الإنسان والمؤسسات والبنية التحتية في حضرموت.
وهكذا نشأت معادلة شديدة القسوة: ثروة كبيرة، ولكن قدرة محدودة على التحكم فيها؛ وموقع استراتيجي، ولكن تنمية لا تتناسب معه؛ ومجتمع يمتلك طاقات بشرية وتجارية واسعة، ولكنه ظل محروماً من البيئة السياسية والاقتصادية التي تمكنه من تحويل هذه الإمكانات إلى نهضة شاملة. وهذه المعادلة هي التي جعلت قضية الموارد جزءًا لا يتجزأ من قضية السيادة.
حضرموت والخليج: مسار تنموي كان يمكن أن يكون متشابها، يصعب على الباحث في التاريخ الحديث لحضرموت أن يتجاهل البيئة الخليجية المحيطة بها. فالمجتمع الحضرمي لم يكن بعيداً عن الخليج من الناحية الاجتماعية أو التجارية أو الثقافية. فقد كانت حركة الحضارم عبر الخليج واسعة، كما ارتبطت الأسر الحضرمية تاريخياً بشبكات التجارة والهجرة والعمل في بلدان الخليج. وكان الخليج بالنسبة إلى الحضارم فضاء اجتماعياً واقتصادياً مفتوحاً، ولم تكن الحدود السياسية الحديثة قد نجحت في قطع تلك الروابط التاريخية.
ولهذا فإن المقارنة بين حضرموت ودول الخليج المجاورة ليست مقارنة بين مجتمعين لا رابط بينهما، وإنما هي مقارنة بين مجتمعات متقاربة في البيئة والثقافة والتاريخ والتجارة، ثم سلكت مسارات سياسية واقتصادية مختلفة خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فبينما انطلقت دول الخليج في بناء دول حديثة مستفيدة من موارد النفط، ادخلت حضرموت في نفق مظلم، ومرحلة طويلة من الاضطراب السياسي والمركزية والإقصاء والتهميش. وكان الفرق لا يكمن في غياب الموارد البشرية أو الموقع أو القدرة على التواصل التجاري. بل كان، بدرجة كبيرة، في طبيعة النظام السياسي الذي ذبح حضرموت من الوريد الى الوريد، الذي تولي إدارة الموارد والقرار. وهنا يمكن فهم جانب أساسي من المظلومية الحضرمية، فالمشكلة لم تكن أن حضرموت لم تكن قادرة على التقدم، والمشكلة لم تكن أن الحضارم يفتقرون إلى الكفاءات. والمشكلة لم تكن أن الإقليم يفتقر إلى الموارد، بل إن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: ماذا كان يمكن أن تكون عليه حضرموت لو امتلكت خلال العقود الخمسة الماضية سيادة على ارضها وعلى مواردها وقرارها التنموي؟ واذا لم يتحرر الحضارم وضلت حضرموت على هذا الحال سياتي من يكتب هذا السؤال بعد خمسة عقود أخرى نفس السؤال، ماذا كان يمكن أن تكون عليه حضرموت لو امتلكت خلال العقود الخمسة الماضية سيادة على ارضها وعلى مواردها وقرارها؟
هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه بصورة يقينية، لأن التاريخ لا يسمح بإجراء تجربة بديلة. لكن يمكن النظر إلى مسار دول الخليج القريبة بوصفه مؤشراً على حجم الفرصة التي ضاعت. خمسون عاماً من الفرصة الضائعة، إن المأساة الحضرمية، من هذه الزاوية، لا تتمثل فقط في انخفاض مستوى الخدمات أو ضعف البنية التحتية. إنها تتمثل في الزمن الذي ضاع، فخمسون عاماً في تاريخ الأمم ليست فترة قصيرة، إنها تكفي لبناء أجيال كاملة من الجامعات والمراكز البحثية والمستشفيات والموانئ والمطارات والمدن الحديثة. وتكفي لبناء اقتصاد متنوع لا يعتمد على مورد واحد، وتكفي لإنشاء مؤسسات مالية وإدارية وقانونية مستقرة، وتكفي لتحويل مدينة ساحلية مثل المكلا إلى مركز تجاري إقليمي إذا توافرت لها الظروف السياسية والاقتصادية المناسبة.
لكن حضرموت دخلت هذه العقود الطويلة وهي تعاني من اختطاف واستبداد سياسي لا مثيل له مورس ضدها من جنوب اليمن وشمال اليمن على حد سواء، ثم من مركزية الجنوب والشمال التي حولتها الى اقل من قرية، ثم تم إدخالها في وانقسامات وصراعات الأحزاب اليمنية لتلهي الشعب الحضرمي عن حاضره ومستقبلة ووطنه، بينما ظلت مواردها جزءاً من عملية تديرها منظومة فساد تعيش داخل مفاصل الدولة المركزية. ولهذا فإن الحديث عن التنمية الحضرمية لا ينبغي أن يقتصر على سؤال: لماذا لم تتطور حضرموت؟ بل ينبغي أن يُطرح السؤال بصورة أكثر عدلاً: من كان يمتلك القرار الذي كان يمكن أن يجعلها تتطور؟ وهل ان الأوان لاستعادة دولة حضرموت.
المحامي صالح باحتيلي النعماني محام مرافع امام المحكمة العليا







التعليقات
0 تعليق