نعم كانت توجد دولة حضرموت

ان دراسة تاريخ الكيانات السياسية في حضرموت مهماً ليس لأنه يثبت وحده قيام دولة حضرمية معاصرة، وإنما لأنه يوفر الخلفية التاريخية التي تساعد على فهم كيف تشكلت الشخصية السياسية لحضرموت، وكيف حافظت حضرموت على اسمها وخصوصيتها، وكيف تطورت أشكال الحكم فيها من المراحل القديمة إلى المراحل الحديثة الى يوم عملية الضم القسري المشؤوم الذ نفذته مليشيات الجبهة القومية القادمة من جنوب اليمن في 1967.
وعليه، فإن البحث في السيادة الحضرمية يجب أن يبدأ من دراسة مملكة حضرموت القديمة، لا باعتبارها بالضرورة دولة حديثة مكتملة وفق المعايير المعاصرة، بل باعتبارها دولة مكتملة وفقا للمعايير في تلك الفترة، وباعتبارها كياناً سياسياً تاريخياً حمل اسم حضرموت ومارس سلطة على إقليم وسكان في مرحلة تاريخية موثقة. ثم ننتقل بالتوثيق إلى المراحل اللاحقة التي ظهرت فيها أشكال مختلفة من السلطة والكيانات السياسية التي لا تختلف كثير عن الكيانات السياسية القائمة في تلك الفترة، ودراسة طبيعة العلاقة بينها وبين مفهوم الاستقلال والسيادة في سياقاتها التاريخية.
وعند الانتقال إلى دراسة الامارات القبلية في حضرموت، والنظر في مدى استقلالها، وطبيعة علاقاتها ببعضها، وعلاقاتها بالقوى الخارجية، ومدى تمثيلها لحضرموت كدولة، واهمية التفويض الصريح من قبل الجمعية الوطنية او ما يطلق عليه تحالف القبائل الذي اعطى لتلك الحكومات المحلية التفويض بممارسة السلطة، بمعنى انه قد وصل الى مستوى متقدم من الرقي والتطور التي وصلت الى الدولة الحديثة في أوروبا في تلك الفترة، هذا ما حدث حتى اذا لم يتم تناوله بصورة فلسفية من قبل الباحثين التاريخيين وعلما الاجتماع، كما فعل فلاسفة أوروبا عندما قرأوا حركة المجتمع ورسموا الخطوط والفواصل لما يجب ان يكون عليه، وهي إشارة واضحة على تطور الفكر السياسي انذاك ومواكبته لمى يجري، فلم يتوقف عند تصوير الاحداث الاجتماعية كما هي، بل ظهرت في تلك الفترة أفكار تربط السيادة بالشعب وبالإرادة العامة، وخصوصاً في أعمال جون لوك وجان جاك روسو وغيرهما من المفكرين الذين ساهموا في الانتقال من فكرة السلطة المطلقة للحاكم إلى فكرة أن مصدر الشرعية السياسية يرتبط بالمجتمع والشعب والعقد السياسي.
بعد تلك المرحلة من الدولة الحضرمية، والتحولات التي حدثت في منتصف القرن العشرين، وصولاً إلى عام 1967 كانت حضرموت دولة وفقا لمعايير القانون الدولي، وهي المرحلة التي يرى الخطاب السياسي الحضرمي المعاصر أنها شهدت إسقاط الكيان السياسي والمركز القانوني الحضرمي وإلحاق حضرموت بكيان سياسي آخر في ظروف يعتبرها شعب حضرموت غير قانونية.
ومن المهم أيضاً أن نؤكد أن القول باستمرارية حضرموت كإقليم تاريخي مازال قائما بحدوده التي مازالت قائمة وثابتة، ومناطق النفوذ التي لم تتغير، وعلى المتلقي ان يعلم اننا نميز بين الإقليم الحضاري والجغرافي من جهة، والحدود السياسية والإدارية لكل مرحلة من جهة أخرى، بمعنى انه اذا لم يبق من حضرموت التاريخية الا المكلا فأنها تضل تمثل حضرموت ولا يلغي حقها في التمسك بدليل انها كانت دولة ذات سيادة، تعرضت للضم والالحاق القسري من قبل مليشيات الجبهة القومية القادمة من جنوب اليمن.
وهذا التمييز مهم حتى لا تتحول دراسة التاريخ إلى محاولة لإسقاط الحدود المعاصرة على الماضي. لذلك يعلم الحضارم المجال الذي كانت حضرموت تمثل فيه وحدة جغرافية واجتماعية وسياسية، وكيف تغير هذا المجال عبر الزمن لكن لم تتم ازالته.
ومن هنا فإن السيادة التاريخية لا تعني بالضرورة سيادة مطابقة لمفهوم السيادة الدولية المعاصر. فقد كانت هناك درجات مختلفة من الاستقلال والنفوذ والحكم المحلي، وكانت العلاقات بين الكيانات السياسية تقوم أحياناً على التحالف أو التبعية أو الحماية أو النفوذ المتبادل.
وبالمقابل فان وجود هذه الأشكال المختلفة لا يلغي القيمة السياسية والتاريخية للكيانات الحضرمية، بل يجعل دراستها أكثر أهمية، لأنها تكشف كيف كان المجتمع الحضرمي ينظم نفسه سياسياً بنفس الشكل الذي كانت عليه الدولة في أجزاء اخرى من العالم في تلك المراحل.
وبذلك يمكن القول إن التاريخ الحضرمي يقدم سلسلة طويلة من التجارب السياسية، تبدأ من المملكة الحضرمية القديمة، وتمر بمراحل متعددة من التغير والتفكك وإعادة التنظيم، ثم تصل إلى الامارات والكيانات المحلية، قبل أن يتم اسقاط حضرموت بعملية الضم والالحاق المشؤومة.
وهذه مؤشر على وجود دولة مستمرة دون انقطاع منذ مملكة حضرموت في عدة اشكال للحكم، ووجود تاريخ سياسي متصل للإقليم يستحق الدراسة، ووجود أشكال متعددة من التنظيم السياسي يمكن أن تشكل أساساً مهماً لفهم الوعي السياسي الحضرمي.
ان الانتقال إلى دراسة الامارات والحكومات المحلية في حضرموت، والنظر في مدى استقلالها، وطبيعة علاقاتها ببعضها، وعلاقاتها بالقوى الخارجية، ومدى تمثيلها للإقليم الحضرمي ككل أو لأجزاء منه، لا ينفصل ذلك عن اهمية دراسة التفويض الصريح من قبل الجمعية الوطنية او ما يطلق عليه تحالف القبائل الذي اعطى لتلك الحكومات المحلية التفويض بممارسة السلطة، بمعنى انه قد وصل الى مستوى متقدم من الرقي والتطور التي وصلت الى الدولة الحديثة في أوروبا في تلك الفترة، وان كانت بعض تلك الحكومات قد تمرد بعضها وانفرد بحكم سلطاني أداء به الى الضعف، الامر الذي كان من عوامل تعرض دولة حضرموت لعملية الضم القسري المشؤومة.
وهنا يمكن أن نصل إلى نتيجة أكثر توازناً بشان وجود دولة حضرموت مفادها ان: الإقليم التاريخي والجغرافي، يشكل أحد عناصرها الأساسية عندما يقترن بالسكان والإرادة السياسية والسلطة والقدرة على ممارسة الحكم والعلاقات الخارجية. وفي الحالة الحضرمية، فإن وجود إقليم معروف تاريخياً باسم حضرموت، ووجود مجتمع مستقر ومتصل به، وظهور كيانات سياسية حضرمية عبر مراحل تاريخية مختلفة، كلها عناصر تجعل دراسة الدولة والسيادة في حضرموت مسألة تاريخية وسياسية جديرة بالبحث. وبذلك يصبح التاريخ السياسي لحضرموت ليس مجرد خلفية للكتاب، وإنما أحد الأدلة الأساسية التي ينبغي تحليلها لفهم العلاقة بين الهوية والسيادة وتقرير المصير.
المحامي صالح باحتيلي النعماني- محام مترافع امام المحكمة العليا







التعليقات
0 تعليق